كتب: الدكتور/ عبدالرحمن الشميري
تأتي مشاركة دولة الإمارات في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في توقيت دولي بالغ الحساسية، تتداخل فيه الأزمات الجيوسياسية مع تحديات الأمن الغذائي والطاقة والمناخ والمياه، وتتزايد فيه الحاجة إلى دبلوماسية قادرة على بناء الجسور وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، ويترأس سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وفد الدولة، حاملاً أجندة واضحة تعكس حضوراً إماراتياً فاعلاً ورؤية تقوم على الشراكة والتعاون والعمل متعدد الأطراف.
هذا الحضور لا ينفصل عن النهج الذي رسخته دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والقائم على أن الاستقرار هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية، وأن الحوار يظل الطريق الأكثر فاعلية لمعالجة الأزمات وتقريب وجهات النظر. ومن هذا المنطلق، أصبحت الدبلوماسية الإماراتية أكثر ارتباطاً بالفعل والنتائج، لا بالاكتفاء بالمواقف أو الخطابات، وهو ما عزز مكانة الدولة شريكاً موثوقاً في مختلف الملفات الدولية.
وتدخل الإمارات اجتماعات الجمعية العامة بأولويات محددة، في مقدمتها دعم جهود تسوية النزاعات، وخفض التصعيد، وترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي، إلى جانب دعم إصلاح منظومة الأمم المتحدة بما يجعلها أكثر كفاءة وقدرة على الاستجابة لتحديات العصر، كما تطرح الدولة أهمية التوظيف المسؤول للذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من قناعة بأن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة لتعزيز التنمية والاستقرار، لا مصدراً لمخاطر جديدة تزيد من تعقيد المشهد الدولي.
ويعكس هذا التوجه رؤية سياسية تتعامل مع الأمن بمفهوم شامل. فالأمن اليوم لا يرتبط فقط بوقف الصراعات، بل يشمل أيضاً حماية سلاسل الإمداد والتجارة والطاقة، وضمان استقرار الأسواق، ودعم الأمن الغذائي، خصوصاً في الدول الأكثر تأثراً بالأزمات. وقد أكدت الإمارات مراراً أن أي اضطراب في حركة التجارة أو الطاقة يمتد أثره سريعاً إلى الاقتصاد العالمي، ويضاعف الضغوط على المجتمعات الأكثر هشاشة، بما يجعل حماية هذه المسارات مسؤولية دولية مشتركة تستند إلى القانون الدولي واحترام سيادة الدول.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية لأنها تعكس استمرارية النهج الإماراتي في الجمع بين حماية المصالح الوطنية والإسهام المسؤول في القضايا الدولية، فالدولة تتحرك بثقة تستند إلى تجربة تنموية، وعلاقات متوازنة، ومصداقية بنتها عبر سنوات من العمل الإنساني والدبلوماسي، بما يمنح صوتها حضوراً مؤثراً في النقاشات العالمية وصياغة المبادرات المشتركة.
وفي ملف المناخ، تواصل الإمارات البناء على إرث استضافتها مؤتمر الأطراف COP28 وما تحقق خلاله من “اتفاق الإمارات”، الذي شكّل محطة مهمة في مسار العمل المناخي العالمي، ورسخ مكانة الدولة منصة دولية قادرة على جمع الأطراف المختلفة حول حلول عملية، كما يمتد هذا الدور إلى ملف المياه، مع استعداد أبوظبي لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026 بالشراكة مع السنغال، بما يعكس التزاماً إماراتياً متواصلاً بقضايا الاستدامة والأمن المائي والتنمية.
وتنسجم هذه التحركات مع مستهدفات “نحن الإمارات 2031” و”مئوية الإمارات 2071″، حيث تسعى الدولة إلى ترسيخ مكانتها شريكاً عالمياً مؤثراً، وتعزيز سمعتها الدولية، وتوسيع شبكة علاقاتها وشراكاتها على أسس من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وهنا تبدو السياسة الخارجية الإماراتية امتداداً طبيعياً لمسيرة التنمية في الداخل؛ اقتصاد قوي، واستثمار في المستقبل، وانفتاح على العالم، ودبلوماسية تسعى إلى خلق الفرص وتوسيع مساحات التعاون.
ويحمل هذا النهج بصمة واضحة لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، “حفظه الله”، الذي جعل من الاستقرار والتعاون وبناء الشراكات مرتكزات أساسية في مسيرة الدولة. كما يعكس الدور الذي يقوده سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان قدرة الدبلوماسية الإماراتية على التحرك بمرونة وفاعلية في بيئة دولية شديدة التعقيد، مع الحفاظ على المصالح الوطنية، والانفتاح في الوقت نفسه على الجهود الجماعية لمعالجة القضايا المشتركة.
وتأتي مشاركة الإمارات في نيويورك لتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى العمل متعدد الأطراف باعتباره إطاراً بروتوكولياً، بل أداة ضرورية لتحويل الحوار إلى خطوات، والأفكار إلى مبادرات، والشراكات إلى نتائج ملموسة. ففي عالم تتزايد فيه الانقسامات، تبرز الحاجة إلى دول قادرة على جمع الأطراف، ودعم التهدئة، وتحفيز التعاون، وربط الأمن بالتنمية والاستدامة.
إن الرسالة التي تحملها الإمارات إلى الأمم المتحدة واضحة مفادها أن السلام المستدام يبدأ من الحوار، وأن التنمية لا يمكن أن تزدهر من دون الاستقرار، كما أن الاستقرار ذاته يحتاج إلى تعاون دولي حقيقي ومسؤول، ومن خلال رؤية قيادتها الرشيدة والحكيمة، تواصل الدولة ترسيخ نموذج دبلوماسي يقوم على الاعتدال والواقعية والعمل من أجل المستقبل، بما يعزز حضورها الدولي ويكرس مكانتها دولة تسهم بفاعلية في صناعة الحلول وبناء عالم أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.