ارتدادات متشابكة: كيف تؤثر حرب إيران في السياسة والأمن والاقتصاد الأوروبي؟
تشكل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، جملة من التهديدات والمخاطر المتشابكة بالنسبة للقارة الأوروبية. فمن الناحية السياسية، تعكس الحرب حالة من الانقسام والتباين داخل الساحة الأوروبية، ولا سيّما بين التيارات اليمينية الشعبوية، التي تجد نفسها بين دعمها التقليدي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبين مخاوف قواعدها الانتخابية من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب. كما كشفت الأزمة الراهنة عن محدودية تأثير الدول الأوروبية في معادلات القوة الدولية.
أما على الصعيد الدفاعي والأمني، فقد أبرزت الحرب جملة من التحديات، من بينها الفجوة التسليحية التي كشفت عنها العمليات العسكرية، وما تعكسه من تفاوت في مستويات القدرات العسكرية بين الدول الأوروبية وبعض القوى الدولية والإقليمية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة باحتمالات تدفق موجات من الهجرة غير الشرعية نحو القارة الأوروبية. وعلى المستوى الاقتصادي، تبرز تداعيات الحرب فيما يتعلق بأمن الطاقة، في ظل اضطراب إمدادات النفط والغاز عبر الممرات البحرية الحيوية، وما يترتب على ذلك من ضغوط محتملة على الاقتصاد الأوروبي.
وفي ضوء ذلك، يستعرض هذا التحليل الموقف الأوروبي من الحرب الراهنة في الشرق الأوسط، كما يتناول أبرز انعكاساتها على المستويات السياسية، والدفاعية والأمنية، والاقتصادية بالنسبة للدول الأوروبية.
تباين أوروبي:
منذ اندلاع الحرب الحالية، اتسم رد الفعل الأوروبي بدرجة كبيرة من الحذر، حيث امتنعت معظم العواصم الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي عن إدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران، في حين شكك عدد محدود من الدول، من بينها إسبانيا والنرويج، في شرعية تلك الضربات. في المقابل، جاء الموقف الأوروبي أكثر وضوحاً في إدانة الاعتداءات السافرة لإيران على دول الخليج العربية، والدعوة إلى وقف الهجمات العسكرية واستئناف المسار الدبلوماسي.
وقد اندلعت الحرب على إيران دون استشارة الجانب الأوروبي، إلا أن تصاعد الأزمة دفع القادة الأوروبيين إلى تكثيف تحركاتهم السياسية والدبلوماسية. ففي 28 فبراير 2026، أصدر رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بياناً مشتركاً أكدا فيه أهمية ضمان السلامة النووية ومنع أي تصعيد يهدد نظام عدم الانتشار النووي العالمي، مع التشديد على استمرار العقوبات الأوروبية المفروضة على إيران. وفي نفس اليوم، نددت كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بالهجمات الإيرانية على دول المنطقة، ودعت طهران إلى وقف العمليات العسكرية واستئناف المفاوضات.
وفي الأول من مارس الجاري، أصدر وزراء خارجية الدول الأوروبية بياناً مشتركاً دعوا فيه إلى ضبط النفس، وحماية المدنيين، والالتزام الكامل بالقانون الدولي، مؤكدين ضرورة الحفاظ على الأمن البحري وحرية الملاحة في ظل التهديدات التي يتعرض لها مضيق هرمز. كما شاركت الحكومات الأوروبية، في 3 مارس، في اجتماع طارئ ضمن إطار “آلية الاستجابة المتكاملة للسياسات في حالات الأزمات” لتقييم المخاطر المرتبطة بالحرب، سواء فيما يتعلق بسلامة المواطنين أم تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد. وطلبت أكثر من 17 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، حتى يوم 6 مارس، دعم آلية الحماية المدنية الأوروبية لتنفيذ عمليات إجلاء المواطنين الأوروبيين من الشرق الأوسط.
ودعا الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، في بيان مشترك عن التكتلين بعد مؤتمر عبر رابط الفيديو لوزراء خارجية دولهما، يوم 5 مارس، إلى الحوار والدبلوماسية لحل الأزمة في الشرق الأوسط، مع إعادة تأكيد أن دول الخليج لديها الحق في الدفاع عن نفسها من الهجمات الإيرانية.
وفي السياق نفسه، شدد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في خطاب للرأي العام الفرنسي في 3 مارس، على ضرورة حماية المصالح الاقتصادية الأوروبية في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز وتأثر التجارة الدولية نتيجة إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم والغاز الطبيعي المسال، داعياً إلى تشكيل تحالف دولي لتأمين طرق الملاحة الحيوية. كما أكد ماكرون خلال زيارته إلى قبرص في 9 مارس، تضامن فرنسا والاتحاد الأوروبي مع الجزيرة بعد تعرضها لضربات إيرانية بالطائرات المُسيَّرة والصواريخ، مشدداً على أن أي هجوم على قبرص يُعد هجوماً على أوروبا بأكملها، مع تأكيده في الوقت ذاته أن باريس لن تشارك مباشرة في العمليات القتالية.
وعكست المواقف الأوروبية تبايناً ملحوظاً في الرؤى؛ إذ بدت بريطانيا، وخاصة حكومة حزب العمال، متأثرة بما يُعرف بـ”متلازمة العراق”، حيث رفضت في البداية السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة دييغو غارسيا في العمليات الهجومية، قبل أن تتغير لهجتها لاحقاً في ظل الضربات التي طالت حلفاء لندن في المنطقة؛ وهو ما دفع وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي، إلى عدم استبعاد مشاركة الطائرات البريطانية في الغارات الجوية على إيران. وفي المقابل، اعتبر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، أن الولايات المتحدة وإسرائيل قامتا بمهمة لم تكن أوروبا قادرة على تنفيذها. كما تبنت بعض دول شرق أوروبا، وعلى رأسها المجر، موقفاً منحازاً إلى الرؤية الأمريكية. في حين رفضت إسبانيا تقديم أي تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية؛ الأمر الذي دفع الرئيس ترامب إلى التهديد بمقاطعة تجارية لمدريد.
ويعكس هذا التباين صعوبة بلورة موقف أوروبي موحد، نتيجة الشكوك في أهداف الحرب الراهنة وغياب استراتيجية واضحة لإنهائها، إضافة إلى استمرار تركيز عدد من الدول الأوروبية على أولوية المعارك في أوكرانيا. وعلى الرغم من هذا التباين؛ فإن القاسم المشترك بين المواقف الأوروبية تمثل في الحرص على عدم الانخراط المباشر في الحرب، مع استمرار دعم الهدف الأمريكي المتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي وتقويض برنامجها الصاروخي البالستي.
معضلة اليمين:
أدخلت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا في حالة من الارتباك السياسي الواضح؛ إذ وجدت نفسها أمام معادلة يصعب التوفيق بينها. فمن ناحية، ترتبط هذه الأحزاب بعلاقات وثيقة مع الرئيس ترامب، وتتبنى في كثير من الأحيان مواقف متقاربة مع إسرائيل. ومن ناحية أخرى، تخشى من التداعيات الداخلية للحرب الراهنة على المجتمعات الأوروبية، ولا سيّما ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات تصاعد موجات الهجرة غير الشرعية، وهي ملفات تمثل جوهر خطابها السياسي أمام ناخبيها.
وهذا التناقض دفع العديد من هذه الأحزاب إلى تبني موقف حذر يميل إلى الغموض، حيث تجنبت إدانة الضربات الموجهة إلى إيران؛ لكنها في الوقت نفسه لم تُظهر دعماً صريحاً للتصعيد العسكري، محاولة بذلك الحفاظ على توازن دقيق بين ولائها السياسي لترامب ومخاوفها من انعكاسات الحرب على الداخل الأوروبي.
وفي هذا السياق، التزمت عدة قيادات من اليمين الشعبوي الصمت خلال الأيام الأولى من الحرب. فعلى سبيل المثال، تجنب رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، زعيم حزب “فيدس”، اتخاذ موقف واضح من الضربات على إيران، رغم إشادته السابقة بترامب واعتباره “صانع سلام” في سياق حرب غزة. ويبدو أن أوربان وجد نفسه أمام معضلة سياسية، خاصة أنه يخوض حملة انتخابية تقوم أساساً على خطاب يدعو إلى السلام وينتقد انخراط الاتحاد الأوروبي في دعم أوكرانيا عسكرياً.
ولا يختلف موقف حزب “الرابطة” الإيطالي بزعامة ماتيو سالفيني كثيراً عن هذا الاتجاه؛ إذ سبق أن دافع سالفيني عن سياسات ترامب الخارجية ودعا إلى منحه جائزة نوبل للسلام، كما تبنى خطاباً يدعو إلى تقليص التدخلات العسكرية الخارجية. وفي ألمانيا، اتخذ قادة حزب “البديل من أجل ألمانيا” موقفاً حذراً أيضاً، حيث أكدوا أن تصاعد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا يخدم المصالح الألمانية، وحذروا من أن انهيار الدولة الإيرانية قد يؤدي إلى تداعيات خطرة، من بينها موجات هجرة واسعة وارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
وقد انعكس هذا التباين داخل الأحزاب اليمينية الشعبوية كذلك في أروقة البرلمان الأوروبي، حيث بدا من الصعب التوصل إلى موقف موحد تجاه حرب إيران. فكل من كتلة “الوطنيين من أجل أوروبا” (PfE) وكتلة “أوروبا الدول ذات السيادة” (ESN) تركتا مسألة تحديد الموقف من الحرب لكل حزب وطني على حدة، في مؤشر واضح على حجم الانقسام داخل التيار اليميني الأوروبي إزاء الحرب وتداعياتها المحتملة.
دروس عسكرية:
مع اندلاع حروب متعددة على أطراف أوروبا، تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تطوير قدرات عسكرية جديدة تتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية المتزايدة. وقد أدت الضربات الصاروخية البالستية التي شنتها إيران في مناطق مختلفة، ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضاً باتجاه أعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو” مثل تركيا وأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل قبرص، إلى زيادة الوعي الأوروبي بالدور المحوري الذي تؤديه الصواريخ البالستية في الحروب الحديثة. كما أثارت هذه التطورات تساؤلات جدية حول حجم القدرات الصاروخية التي تمتلكها الدول الأوروبية ومدى جاهزيتها للتعامل مع مثل هذه التهديدات المتطورة.
وفي ظل هذا الوضع، تحاول عدة دول أوروبية تسريع وتيرة برامج التحديث العسكري وتطوير منظومات ردع جديدة، سواء عبر مشاريع وطنية أو من خلال مبادرات دفاعية مشتركة داخل الاتحاد الأوروبي. وتشمل هذه الجهود تطوير أنظمة دفاع جوي وصاروخي أكثر تقدماً، إضافة إلى تحسين قدرات الضربات بعيدة المدى التي أصبحت عنصراً أساسياً في موازين القوة العسكرية الحديثة.
ومع ذلك، تشير التقديرات العسكرية إلى أن أوروبا لا تزال غير مستعدة بدرجة كافية لمتطلبات الحرب الحديثة، خاصة في مجال الصواريخ البالستية بعيدة المدى. فلا تزال هذه القدرات محدودة ومحصورة في عدد قليل من الجيوش الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، اللتان تمتلكان برامج متقدمة نسبياً في هذا المجال مقارنة ببقية الدول الأوروبية.
ومن المتوقع أن يدفع هذا الواقع الاتحاد الأوروبي إلى التفكير بشكل متزايد في تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء بهدف سد الفجوات العسكرية القائمة وبناء قدرات مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات المتنامية في البيئة الأمنية المحيطة بالقارة.
مخاوف الهجرة:
تثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مخاوف أوروبية متزايدة من تدفق موجات الهجرة غير الشرعية نحو القارة الأوروبية، خاصة إذا أدت الحرب إلى تفكيك أركان النظام في طهران. فإيران دولة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة؛ ما يجعل أي حالة من عدم الاستقرار فيها مصدراً محتملاً لموجات هجرة كبيرة.
وفي ظل تسارع التوتر في المنطقة، أكدت وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي، في تقرير لها أُعد قبل اندلاع الحرب الراهنة، أن نزوح 10% فقط من سكان إيران كافٍ لمنافسة أكبر تدفقات اللاجئين في العقود الأخيرة. وعلى الرغم من أن عدد طلبات اللجوء التي يقدمها الإيرانيون في أوروبا لا يزال منخفضاً نسبياً، حيث بلغ نحو 8 آلاف طلب في عام 2025؛ فإن حجم الخطر المحتمل يبقى كبيراً.
ولهذا السبب بدأت المفوضية الأوروبية بالفعل مناقشة هذا الملف مع تركيا، التي تُعد أحد أهم مسارات العبور للمهاجرين الإيرانيين نحو أوروبا.
تداعيات اقتصادية:
في الوقت الذي لم تنتهِ فيه أوروبا بعد من التعامل الكامل مع أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، جاءت الحرب على إيران لتجدد التوترات المتعلقة بإمدادات الغاز. فقد أدى إغلاق طهران لمضيق هرمز إلى تباطؤ كبير في حركة التجارة، خاصة بين آسيا وأوروبا.
وعلى الرغم من أنه من السابق لأوانه الحديث عن أزمة اقتصادية أو طاقوية حقيقية؛ فإن شبح صدمة الطاقة يلوح في الأفق، مع خطر التسبب فيما يُعرف بـ”الركود التضخمي”، وهو مزيج من التضخم والركود الاقتصادي. وتشير إحصائيات وكالة الطاقة الأمريكية إلى أن أكثر من 20 مليون برميل نفط يمر يومياً عبر مضيق هرمز. وبالتالي، ومع حالة الإغلاق التي يشهدها المضيق، بدأت تظهر اختناقات في إمدادات الطاقة العالمية منذ الأيام الأولى للحرب، خاصة بعد التصريح الصادر في 2 مارس الجاري عن إبراهيم جباري، مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني، الذي أكد أن بلاده ستستهدف أي سفينة تحاول العبور من المضيق. وقد أدى هذا الوضع إلى ارتفاع سعر الغاز في أوروبا بنسبة 50% وارتفاع أسعار النفط بنسبة 12%، إلى جانب تراجع مؤشر بورصة باريس بنسبة 4.7%.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استمرار الحرب قد يدفع أوروبا إلى حافة أزمة طاقة مرتبطة بإمدادات الغاز الطبيعي المسال؛ ما قد يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي، خاصة في دول مثل ألمانيا وإيطاليا اللتين تعتمدان بدرجة كبيرة على واردات الغاز الطبيعي المسال. كما يبدو الاقتصاد البريطاني عرضة لتأثيرات مباشرة للحرب؛ حيث حذرت وزيرة الخزانة من انعكاسات إغلاق مضيق هرمز على معدلات التضخم، في ظل الأهمية الاستراتيجية للمضيق الذي يمر عبره نحو 11% من التجارة البحرية العالمية، وفقاً لبعض التقديرات.
ختاماً، يتضح أنه في حال استمرار الحرب الراهنة في الشرق الأوسط، فإن انعكاساتها على القارة الأوروبية قد تكون واسعة النطاق على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. فعلى الصعيد السياسي، قد تؤدي الحرب إلى تعميق الانقسامات داخل الساحة الأوروبية وزيادة الضغوط على الحكومات في ظل تصاعد الجدل الداخلي بشأن الموقف من الصراع وتداعياته. أما على المستوى الأمني، فتبرز مخاوف متزايدة من احتمالات اتساع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك إمكانية تدفق موجات جديدة من الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا. وفي المقابل، تتجلى التداعيات الاقتصادية في اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع التضخم؛ نتيجة زيادة أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل.
وفي ظل هذه المعطيات، يسعى قادة أوروبا، وعلى رأسهم الرئيس ماكرون، إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية للتواصل مع القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً بهدف احتواء التصعيد والعمل على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، بما يحد من امتداد تداعياتها إلى أوروبا.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.