كتب/ أحمد سعيد العلوي
وضعت الحرب أوزارها وتراجعت المنطقة خطوة عن حافة مواجهة كانت تنذر بعواقب واسعة، لكن انتهاء المعركة لا يعني بالضرورة انتهاء أسبابها والتغاضي عن تداعياتها أو غفلان خسائرها وأضرارها.
فبينما تفتح مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية نافذة أمل وسلام أمام المنطقة التي أنهكتها الحروب تبقى الحقيقة التي تؤكدها السياسة كما يؤكدها التاريخ أن العبرة في الاتفاقيات ليس بما يكتب بل بما ينفذ.
ومن هنا، فإن الترحيب بالاتفاق باعتباره فرصة لخفض التصعيد وفتح صفحة جديدة في المنطقة لا يلغي ضرورة النظر إليه بعين الحذر والواقعية، بل والتساؤل هل هو فعلا بداية لسلام دائم أم مجرد محطة جديدة في مسار طويل متعرج من التفاهمات والانتكاسات التي شهدتها المنطقة على مدار العقود الماضية.
والحقيقة أن هذا التساؤل لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية للتجارب السابقة التي تدفع حاليا دول المنطقة إلى التعامل مع هذا التطور بقدر كبير من الحذر، فالشرق الأوسط لا يواجه أزمة نقص في الاتفاقيات، بل أزمة نقص ثقة في الالتزام بها، وعندما يتعلق الأمر بإيران تحديدا، فإن سجل العقود الماضية يفرض نفسه بقوة على أي نقاش حول مستقبل الاتفاق الجديد.
فقد شهد العالم اتفاقيات عديدة مع طهران، بدءا من التفاهمات المتعلقة بالبرنامج النووي، مرورا بالتعهدات الخاصة بخفض التوترات الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، وصولا إلى الالتزامات المرتبطة بالملفات الأمنية والعسكرية، لكن كثيرا من تلك الاتفاقيات اصطدمت لاحقا بالالتفاف على الالتزامات أو استمرار أنشطة تثير القلق بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني وقدراته العسكرية.
ولعل التجربة الأبرز في هذا السياق تتمثل في الاتفاق النووي عام 2015، الذي استقبلته المنطقة والعالم باعتباره نقطة تحول نحو مرحلة أكثر استقرارا، غير أن السنوات التالية لم تشهد تراجعا ملموسا في مصادر القلق الإقليمي، بل استمرت برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في التطور، كما واصلت الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران توسيع نفوذها في عدد من الساحات العربية.
كما شهدت المنطقة أحداثا مفصلية عززت المخاوف الخليجية والدولية، من بينها حوادث استهداف ناقلات النفط قبالة سواحل الفجيرة الإماراتية في مايو/أيار 2019، والهجوم على منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، وصولا إلى الهجمات التي استهدفت أبوظبي في يناير/كانون الثاني 2022 بواسطة صواريخ وطائرات مسيرة أطلقتها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وهي وقائع دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الاتفاقات السياسية وحدها كافية الضمان تغيير السلوك على الأرض.
وتعرضت دولة الإمارات والدول الخليجية خلال الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة لسلسلة طويلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت مدنا ومنشآت حيوية ومرافق اقتصادية، ما أكد أن الخطر يتنامى.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم هو كيف يمكن ضمان تنفيذ الاتفاق، فإيران لم تكن خلال العقود الماضية مجرد دولة تختلف مع جيرانها حول ملفات سياسية، بل تحولت إلى لاعب رئيسي في العديد من الأزمات الإقليمية عبر شبكة واسعة من التنظيمات والجماعات المسلحة المنتشرة في عدد من دول المنطقة، هذه الأذرع لعبت أدوارا مباشرة أو غير مباشرة في صراعات ممتدة من اليمن إلى لبنان والعراق وسوريا، وأسهمت في تعقيد جهود التسوية السياسية وإطالة أمد النزاعات، ما جعل أمن الخليج جزءا من معادلة إقليمية شديدة التعقيد.
لذلك فإن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، تدرك أن أي اتفاق مستدام لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، بل يجب أن يشمل معالجة الأسباب الحقيقية للتوتر وعدم الاكتفاء بمعالجة أعراضه، ورغم أن الاتفاق الجديد قد ينجح في خفض احتمالات المواجهة المباشرة، فإن هذه القدرات العسكرية ستظل مصدر قلق رئيسيا ما لم تخضع لمنظومة واضحة من الرقابة والشفافية والالتزامات المتبادلة.
ولعل أحد أبرز التحديات أمام الاتفاق الحالي أن مصدر القلق الإقليمي لا يقتصر على البرنامج النووي الإيراني وحده، بل يشمل منظومة متكاملة من النفوذ العسكري والأمني بنتها طهران خلال العقود الماضية، فالتغاضي عن برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، الذي يعد من الأكبر في المنطقة، فضلاً عن شبكات الوكلاء المسلحين المنتشرة في عدد من الساحات العربية، قد يحول أي اتفاق سياسي إلى مجرد هدنة مؤقتة سرعان ما تهتز مع أول أزمة أو مواجهة جديدة.
ولهذا فإن السؤال الذي يشغل عواصم المنطقة اليوم لا يتعلق بوقف إطلاق النار ذاته، بل بمدى قدرة الاتفاق على منع تكرار الهجمات على المدن والمنشآت المدنية، وضمان عدم استخدام الجماعات المسلحة كأدوات ضغط في الصراعات الإقليمية مستقبلا، ولهذا فإن نجاح الاتفاق يتوقف على مجموعة من الشروط الأساسية.
في مقدمة تلك الشروط إخضاع القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لآليات رقابة صارمة وقابلة للتحقق، كما يتطلب ضمان عدم توظيف الجماعات المسلحة كأدوات نفوذ أو ضغط خارج الحدود الإيرانية، فضلا عن حماية أمن الملاحة الدولية وطرق التجارة والطاقة، خصوصا في الخليج العربي ومضيق هرمز باعتبارها مصالح دولية تتجاوز حدود الإقليم وتمس استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
أما التحدي الأكبر فيبقى بناء الثقة، فالثقة الإقليمية والدولية في إيران ليست منخفضة فقط، بل تكاد تكون معدومة بعد عقود من الصدامات والاتهامات المتبادلة، كما أن دول المنطقة تحتاج إلى رؤية خطوات عملية تثبت أن المرحلة الجديدة تختلف بالفعل عن المراحل السابقة.
ومن هنا تبدو دولة الإمارات في موقع واضح ومتوازن، فهي دائما من دعاة الحوار والدبلوماسية وتدعم أي جهد يهدف إلى خفض التصعيد وترسيخ استقرار وسلام وأمن المنطقة، لكنها في الوقت نفسه من أكثر الدول إدراكا لخطورة تجاهل دروس الماضي، ولهذا فإن الترحيب بالاتفاق لا يعني تجاهل سجل التوترات السابق، كما أن دعم السلام لا يعني التخلي عن متطلبات الأمن.
فالمنطقة بحاجة إلى أكثر من وقف لإطلاق النار، إنها بحاجة إلى ضمانات تمنع تكرار الاعتداءات، وتحد من التدخلات الإقليمية، وتؤسس لعلاقات تقوم على احترام السيادة وحسن الجوار وعدم استخدام القوة أو الوكلاء المسلحين لتحقيق المكاسب السياسية، عندها فقط يمكن الحديث عن سلام دائم، أما قبل ذلك، فسيظل الاتفاق خطوة مهمة على الطريق، لكنه ليس نهاية الطريق.
المصدر: العين الإخبارية
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.