اتجاهات مستقبلية
قمة أنقرة.. اختبار تماسك الناتو في مواجهة التهديدات المركبة
تستضيف تركيا قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، في مرحلة تشهد واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة، بل ومنذ نشأة الحلف قبل ما يقرب من 80 عامًا؛ إذ تأتي القمة بعد ما خلفته الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية من فوضى عالمية طالت مختلف الترتيبات الأمنية والاقتصادية، بما فيها تماسك الحلف ذاته، وتباين المواقف بين الولايات المتحدة وأوروبا حول الحرب وتداعياتها، ناهيك عن دخول الحرب الروسية–الأوكرانية عامها الخامس، علاوة على تسارع التنافس الاستراتيجي مع الصين واتساعه ليشمل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وفي ظل هذه البيئة المتشابكة، تبدو قمة أنقرة أقرب إلى اختبار عملي لقدرة الحلف على الانتقال من مرحلة التعهدات السياسية إلى مرحلة بناء قدرات ردع مستدامة، قادرة على التعامل مع طيف واسع من التهديدات العسكرية وغير العسكرية في آن واحد.
ويبدو جليًّا أن أجندة القمة تعكس هذا التحول بوضوح؛ إذ لم تعد تقتصر على مناقشة القضايا الأمنية التقليدية، بل أصبحت تتمحور حول بناء قاعدة اقتصادية وصناعية قادرة على دعم الردع الجماعي لسنوات طويلة. ويأتي ذلك استكمالًا لما أقرته قمة لاهاي عام 2025، عندما اتفق قادة الحلف على رفع الاستثمار الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بحيث يخصص 3.5% للإنفاق الدفاعي المباشر، و1.5% للاستثمارات المرتبطة بالأمن الوطني، بما يشمل البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والصناعة الدفاعية، وتعزيز المرونة الوطنية. ويُعدّ هذا الالتزام أكبر تحول في فلسفة الإنفاق الدفاعي للحلف منذ تأسيسه عام 1949؛ إذ ينقل مفهوم الدفاع من مجرد زيادة الميزانيات العسكرية إلى بناء منظومة أمنية شاملة ترتكز على الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة، وهو ما يُشير إلى محاولة الحلف بناء اعتماد ذاتي في المستقبل المنظور مستقلًّا عن منظومة الأمن والدفاع الأمريكية.
وتُشير البيانات الرسمية الصادرة مؤخّرًا عن حلف الناتو إلى أن هذا التحول بدأ ينعكس بالفعل على مستويات الإنفاق. فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية الأعضاء وكندا خلال عام 2025 بنحو 20% بالقيمة الحقيقية مقارنة بعام 2024، وهو ما يعادل أكثر من 90 مليار دولار بأسعار عام 2021، أو نحو 139 مليار دولار بالقيمة الاسمية، ليتجاوز إجمالي الإنفاق الدفاعي لهذه الدول 571 مليار دولار. كما أصبح عدد متزايد من الدول الأعضاء يُحقق أو يتجاوز هدف الإنفاق البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الهدف الذي ظل لسنوات معيارًا رئيسيًّا لتقاسم الأعباء داخل الحلف، قبل أن ترفع التطورات الأمنية سقف الطموح إلى مستوى غير مسبوق.
ولا تنفصل هذه الزيادة في الإنفاق عن جهود إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية لدول الحلف، بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا وبدرجة أقل حرب إيران، محدودية المخزونات الاستراتيجية، وطول المدة اللازمة لتعويض الذخائر والأسلحة المستهلكة. ومن هذا المنطلق، يكتسب منتدى الصناعات الدفاعية للناتو، المنعقد على هامش القمة في 7 يوليو 2026، أهمية استثنائية؛ إذ يُركز على تحويل الالتزامات المالية الجديدة إلى طاقات إنتاجية فعلية، من خلال تعزيز المشتريات المشتركة، وزيادة الاستثمارات في الصناعات الدفاعية، وتحفيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، وتقوية سلاسل الإمداد العابرة للأطلسي. كما يُتوقع أن يشهد المنتدى الإعلان عن مبادرات جديدة في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والاستطلاع والمراقبة الفضائية، والأنظمة غير المأهولة، والقدرات بعيدة المدى، بما يعكس انتقال الحلف من سياسة إدارة المخزون إلى سياسة توسيع الطاقة الإنتاجية الدفاعية.
وسيظل الملف الأوكراني حاضرًا بقوة في مختلف جلسات القمة، سواء من خلال اجتماعات مجلس الناتو–أوكرانيا، أو اللقاءات الثنائية بين القادة، في ظل استمرار الحرب، وتزايد الحاجة إلى ضمانات أمنية ودعم عسكري طويل الأمد. ومن المتوقع أن تبحث الدول الأعضاء آليات الحفاظ على تدفق المساعدات العسكرية والمالية، وتوسيع برامج التدريب والتعاون الصناعي مع كييف، بما يضمن استدامة الدعم دون الإضرار بجاهزية قوات الحلف ومخزوناته الاستراتيجية. وعلى مستوى أوسع، ستناقش القمة مستقبل العلاقات مع الشركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادي، والتعامل مع تصاعد النفوذ الصيني في المجالات التكنولوجية والاقتصادية، إلى جانب انعكاسات التطورات في الشرق الأوسط على الأمن الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة، وحرية الملاحة، وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي المحصلة، لا تمثل قمة أنقرة مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف، بل تشكل اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الناتو على الحفاظ على تماسكه السياسي في ظل بيئة أمنية متسارعة التحول، وعلى معالجة التحديات التي كشفت عنها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية الإيرانية، وفي مقدمتها تباين مواقف الدول الأعضاء، وحدود الاعتماد الأوروبي على القدرات العسكرية الأمريكية، وضرورة تعزيز الجاهزية الجماعية. كما تمثل القمة فرصة لتقييم مدى قدرة الحلف على بناء منظومة دفاعية أكثر استدامة واستقلالية، قادرة على دعم الردع الجماعي، وحماية الأمن الأوروبي والأطلسي في مواجهة التهديدات المتصاعدة، وفي مقدمتها التهديد الروسي.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.