كتب/ عمر الساعدي
بعض العلاقات بين الدول تبدأ بتوقيع اتفاقية، لكن العلاقات الحقيقية تُبنى بالثقة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الثقة إلى فرص ومشاريع، ثم إلى جسور تمتد من جيل إلى آخر.
هكذا يمكن النظر إلى 54 عاماً من العلاقات الإماراتية الألمانية. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1972، تطورت الشراكة بين أبوظبي وبرلين من تعاون سياسي واقتصادي إلى علاقة واسعة تشمل الطاقة والتكنولوجيا والتعليم والبحث العلمي والمناخ.
وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من أوائل من أدركوا أهمية بناء علاقة متوازنة مع ألمانيا. وشكلت لقاءاته مع المستشارين الألمانيين هيلموت شميت وهيلموت كول محطات مهمة في ترسيخ التواصل السياسي، ثم جاءت زيارة المستشار غيرهارد شرودر إلى أبوظبي عام 2003، قبل إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2004.
ولم تكن الشراكة الاستراتيجية بداية العلاقة، بل ثمرة عقود من التواصل وبناء الثقة. ومنذ ذلك الحين، اتسعت المصالح المشتركة، وارتفع حجم التجارة غير النفطية بين البلدين من نحو 2.63 مليار دولار عام 2002 إلى نحو 7.4 مليارات دولار عام 2007، فيما تجاوز حجم التجارة الثنائية 13.5 مليار يورو خلال عام 2025.
غير أن الأرقام لا تحكي القصة كاملة. فخلف كل استثمار شركة وموظفون، وخلف كل مشروع خبرات تنتقل، وخلف كل تعاون في التعليم والبحث العلمي طالب أو باحث قد يجد فرصة تغير مستقبله. وهنا تقترب العلاقات الدولية من حياة الناس، ولا تبقى مجرد بيانات رسمية.
محمد بن زايد.. زيارة في توقيت استثنائي
في هذا المسار الطويل، تأتي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا، لتشكل محطة مهمة في تطور العلاقات بين البلدين. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت يواجه فيه العالم تحديات وأزمات متزايدة، ما يجعل الشراكات الموثوقة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لكن أهمية الزيارة لا تقاس فقط بمراسم «زيارة الدولة»، ولا بعدد اللقاءات والاتفاقيات التي ستشهدها، بل بما تفتحه من أبواب للمرحلة المقبلة.
وفي مقابلة خاصة مع «العين الإخبارية»، يرسم السفير أحمد العطار، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية، ملامح هذه المرحلة، مؤكداً أن العلاقة بين البلدين انتقلت إلى مفهوم الشراكة، وأن الإمارات لم تعد فقط دولة تستثمر في أوروبا أو تستقبل السياح الأوروبيين، بل أصبحت دولة لها مصالح اقتصادية وسياسية وجيوسياسية واستراتيجية متشابكة مع أوروبا.
وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها. فالعلاقة الإماراتية الألمانية لم تعد قائمة على علاقة طرف يملك الخبرة وطرف يبحث عنها، بل على تكامل بين قدرات مختلفة. ألمانيا تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية وعلمية عريقة، والإمارات تمتلك بنية تحتية متقدمة، وقدرات استثمارية، وموقعاً عالمياً، وخبرة متنامية في بناء الشراكات الدولية.
ويرى السفير أحمد العطار أن السنوات المقبلة ستشهد فرصاً واسعة في الذكاء الاصطناعي والصناعة والفضاء، إلى جانب الطاقة والطاقة النظيفة والهيدروجين، فضلاً عن التجارة والاستثمار. وهذه المجالات تكشف أن الشراكة تتجه من القطاعات التقليدية إلى قطاعات ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
من التعاون إلى صناعة المستقبل
اللافت في حديث السفير الإماراتي، نقلاً عن «العين الإخبارية»، أنه لا يتعامل مع الشراكة باعتبارها مشروعاً سريعاً، بل مساراً يحتاج إلى بناء مستمر. ويشير إلى أن العمل الصغير والمتواصل على مدى سنوات قد يكون أكثر أهمية من إنجاز كبير يحدث خلال عام واحد.
وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي يمكن قراءتها خلف زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا: المستقبل لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، بل المتابعة التي تأتي بعدها.
فما قيمة اتفاقية للذكاء الاصطناعي إذا لم تتحول إلى مختبرات وشركات وتطبيقات؟ وما قيمة التعاون الصناعي إذا لم ينتج مصانع ومهارات وفرصاً جديدة؟ وما جدوى التعاون في الفضاء إذا لم يفتح أبواباً أمام المعرفة والابتكار والشباب؟
سياسياً أيضاً، تبدو مساحة التعاون أكبر. فبحسب رؤية السفير أحمد العطار، يمكن للإمارات وألمانيا العمل بصورة أوسع في المساعدات الإنسانية، والمؤسسات الدولية، والأمم المتحدة، وكذلك على مستوى الاتحاد الأوروبي. وهذا يضيف بعداً مهماً إلى العلاقة، لأن الشراكة لا تتعلق فقط بما تستطيع دولتان تحقيقه منفردتين، بل بما يمكن أن تصنعاه معاً في القضايا التي تتجاوز حدودهما.
وبعد 54 عاماً، ربما يكون السؤال الأهم ليس: ماذا حققت الإمارات وألمانيا؟ بل: ماذا تستطيعان أن تبنيا معاً في السنوات الخمسين المقبلة؟
الإجابة ستظهر في المشاريع التي ترى النور، والتقنيات التي تُطوّر، والاستثمارات التي تخلق قيمة، والشباب الذين يجدون فرصاً جديدة. لقد وضع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أساس الثقة، واليوم تأتي رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله” لتمنح هذه العلاقة أدوات جديدة وآفاقاً أوسع.
فالعلاقات القوية لا تعيش على إرثها فقط؛ بل تثبت قيمتها كل يوم بما تضيفه إلى المستقبل.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.